الأربعاء، 25 أبريل 2012

"مش عايزة مني حاجة؟ أي حاجة؟"


"مش عايزة مني حاجة؟ أي حاجة؟"
"مش عايزة إلا سلامتَك."

تضع سماعة الهاتف و تفتح الباب لدموع حبست طوال تسع سنوات.  تلك القطعة التي غابت عن روحها سنوات  طوال عادت فقط عندما ملّت انتظارها. عادت عندما توقفت تماما عن البحث عنها. عادت عندما لم يعد بها رغبة فيها و لا حاجة إليها... و لكنها عادت.

ابن الخالة.. حبها الأول، بفرحه و أوجاعه. الحب، ذلك الوشم الذي يدقه القدر في القلب فلا يفارقه. تخرج دموعها ساخنة و تخرج معها صورة لبيت العائلة و سطحه الخالي تماما من المصابيح، و حقل الأرز. كانا يتسللان لسطح الجيران حتى يتمكنا من رؤيته بوضوح. ذلك الحقل الذي طالما تأملا حركة أوراقه الخضراء مع نسمات الصيف الليلية، و هو يحكي لها عن حوض لأسماك الزينة سيضعه في بيتهما عندما يتزوجا. يعلو نشيجها: "كيف طاوعتُه و قفزتُ من فوق السور الفاصل بين البيتين؟" "كيف طاوعتُه و حلمتُ بنا؟!" تشهق، فترى برج الحمام و السلّم الخشبي. تهمس له: "خايفة أقع ..."ما تخافيش، هاتي إيدك". 

تمد يدها لتصافح زوجته التي تحتضنها في زيارتها الوحيدة لبيته بعد زواجه.  زيارة عائلية لم تفلح في التهرب منها تصطحبها العروس في جولة صغيرة لتريها منزل الزوجية الذي يجمعهما. شقتها... تعرفها جيداً. تترك لزوجته المجال لتشير إليها أن تتبعها إلى هذه الغرفة أو تلك بينما تبحث هي عن حوض السمك الذي وعدها به. تتأمل ترتيب الحجرات، و الأثاث، و المرايا. لم يغير شيئا مما حلما به، لكنها لم تجد سمكة زينة واحدة داخل جدران البيت الذي زينه قلبها يوما.

لا تهدأ العروس. تعلم ما كان، الكل يعلم ما كان.  تضع  شريط زفافهما في مشغل الفيديو لتريها العرس الذي لم تحضره.  ليلة زفافه.. تذكرها جيداً، قطرات دم تجدها تلوث ملابسها الداخلية و تفضح حزنا أبت عيناها أن توشي به، و لو من بعيد.  تجزع و تجزع أمها لتخبرهما طبيبتها أن مثل هذا النوع من النزف قد يحدث نتيجة لضغط عصبي. تتعلل بالمذاكرة و قلق الإمتحانات و ضيقها من مشروع زواج بدأته قبل عدة أشهر و ليس لها رغبة في أن تتمه. تحكي للطبيبة و تضحك من جزعها و هي تفكر في ضحكة صافية لعروسه التي لم تعد بِكْراً.

تنساب دموعها و تسقط بغزارة داخل أذنيها و هي ملقاة على ظهرها كي يفارق صدرها ذلك الرماد الذي تكوم على مدار تسعة أعوام.  تتذكر كيف كانت موضع شفقة من الجميع. تتذكر كيف أخفت أسرتها عنها خبر خطبته في البداية... قبل أن تعلم صدفة.  تخرج منها آهة حسرة و هي تطرد من ذاكرتها نظرة الشفقة التي رأتها في عيني شقيقته الصغرى يوم أخبرتها أن زوجته تحمل بداخلها طفلهما الثاني لتسألها كالمصدومة: "هو لسة بينام معاها؟"

تسع سنوات انقضت. تسع سنوات امتلأت عن آخرها بمرارة تتجرعها كلما أوخزها فقده. كلما أصابها وجع أو فشل و لم تجده بجوارها لتستند عليه. تسع سنوات و هي تلومه على كل حزن أصابها و كل فرح هنأ به بدونها. تسع سنوات من غضب و عتاب و صراخ من جانب واحد فقط. كانت تغضب و تصرخ... و يجيبها الصمت.  تسأله لماذا لم تدافع عني؟ لماذا تركتني و لم تلتفت وراءك؟ لماذا لم تعنفني حين أخطأت بحقك ربما كان في ذلك فرصة للصلح؟ تسأل و تسأل و تسأل.. فتجيبها أخباره التي لا تنقطع بأنه تزوج، و أنجب، و سافر، و أنجب ثانية.  تتوقف تدريجياً عن السؤال، و عن البحث عن الأسباب.  تحمل أمتعتها و تجلس هاربةً في صالة الإنتظار بمطار القاهرة.  تبكي هناك، وحدها. تخشى السفر. تخشى فراق الأحبة. تخشى الغربة. تخشى الوحدة، و تخشى حباً جديدا يقف ببابها و يدقه القدر وشماً آخر في قلبها رغماً عنها و رغم كل محاولاتها لصده. تبكي كثيراً في غربتها. تبكي لخوفها من الحب و الوجع و الفقد. تبكي لأنها تعي أن من يسكن قلبها لا يغادره،  فكم وشماً و كم فقداً سيتحمل قلب فتاة لم تبلغ عامها الثلاثين بعد؟  فتاة تحلم بقلبٍ بِكْر و بحِملٍ أخفّ.  فتاة تتلهف أن ينفذ إلى روحها نور، و لو من "خرم إبرة"، فتاة ظنت يوماً أنها ضعيفة، فجمعت ضعفها كله في حقيبة سفر و غادرت بثبات.

تسع سنوات انقضت تعلمت خلالها كيف تصاحب الفقد و كيف تشاركه طعامها و شرابها و سريرها.  تسع سنوات عرفت خلالها أن ما انكسر بداخلها مرة لا يمكن أن ينكسر ثانية، فلم تعد تخشى الكسر. تسع سنوات أيقنت خلالها أن الحب وحده ليس سببا كافيا ليجمع المتحابين للأبد. تسع سنوات أخبرتها أن الحب ذاته، مهما كبُر، قد لا يكون كافياً.

بعد تسع سنوات تهاتفه بنفسها.  علمت بأمر حادث السيارة فلم تملك سوى أن تهاتفه لتطمئن عليه و على زوجته و ولديهما.  هذه المرة لم تَخَف من سماع صوته. هذه المرة كانت تخشى عليهم جميعا و على ولديهما أكثر من أي شئ. لم ترهما قط، و لكنهما قطعة حب بداخلها لن تفقدها أبداً. تهاتفه فيناديها لأول مرة منذ فراقهما بأسمها فقط دون أن يسبقه جفاء لقبها المهني. فتناديه باسمه دون أن تسبقه كلمة "يا باشمهندس" التي كانت دائماً تخفي وراءها حنيناً تخشاه. تصالحا. دون كلمة اعتذار واحدة.. تصالحا. دون لوم أو حتى عتاب.. تصالحا. لم يعد بينهما مكانا لغضب..أو لحب. وقت الغضب نشب كلاً منهما أظافره في روح الآخر و ذهب لحاله. وحده الوقت كان قادراً على أن يمر فوق هذا كله  ليهب لكل منهما حياة ترضيه. سبقها هو إلى الرضا، و إلى الفرح و لكن الوقت مرّ و جاء دورها لتفرح و لترضى.  تعرف أنها تستحق الفرح. تطمئن على سلامته هو و أسرته و يسألها إن كان ينقصها شيئاً فلا تطلب إلا سلامته. و ما حاجتها إليه و بينهما زوجة و طفلين و تسع سنوات ممتلئة عن آخرها بحياة لا تخصه.

تهدأ، و يهدأ بكاءها. تشعر أنها أخفّ. تشعر بالرضا يربت على قلبها. تتحسس أماكن الوشم في قلبها  فتراها علامات طريق واضحة فوق خارطة العمر. تبتسم لها.  تهدأ و تستسلم لنوم رائق.  في الصباح، تضع السماعات البيضاء الصغيرة في أذنيها لتسمع تلك الأغنية التي أحباها يوما و التي لم تقو على سماعها طوال تسعة أعوام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق