الأربعاء، 25 أبريل 2012

"عتمة بالروح".


"عتمة بالروح".

 قرأت تلك العبارة على صفحتك هذا الصباح. أفزعتني ليس لما بها من وجع، و لكن لأنها جاءت منك أنتِ، الفتاة التي أعتدتُ أن أقرأ ما تكتب لأبتهج، لأشعر أن "الدنيا لسة بخير"، و لأثبت إيماني في قدرتنا على خلق البهجة، مهما كانت الظروف المحيطة. أن تخرج تلك الكلمات منك أنت بالذات جعلني أشعر، للحظة، "أن القيامة قامت". العتمة تملأ أشياء كثيرة حولنا يا حبيبتي، و الخوف و القتل و الظلم و الفقر و المرض ... و الفوضى التي تنخر في كل شئ، ناهيك عن وجع الفقد، كلها أشياء تطبق على الروح بيد من حديد... لكنك كنتي دائما تشعريني بأن النور قوي و قادر على أن ينفذ إلى أرواحنا.. و لو من خرم إبرة.

منى، أنا لست بارعة مثلك في صناعة البهجة. لا أعرف كيف أكتب عن بالونات و عصافير و موسيقى و لون أزرق رائق، لكني مدينة لكي بالكثير من البهجة. لا أستطيع مثلك أن أخلق البهجة من لا شئ، لذا جمعت في هذه التدوينة بعض ذكريات مبهجة، مجرد حكايات ربما تحدث معك فارق، ربما تربت على تلك القطعة التي تعرف الفرح داخل قلبك فتبعد عنك تلك العتمة، و لو قليلاً.

عن عم حمزة

19 أكتوبر2011، قطار887 المتجه إلى القاهرة ، عربة 2، مقعد 23. يصعد عم حمزة للقطار و يجلس بجواري. ترك الحديث عن ثورة يناير بأكمله( حديث الساعة و كل ساعة) و بدأ يحكي عن زيارة الملك فاروق لبلدته حين قطعها خط السكة الحديد لأول مرة. ابتسم ابتسامة شبه خالية من الأسنان و هو يتذكر "الحلاوة الفولية" التي وزعت في المدرسة يوم زيارة الملك. و حين انتهى من فاروق و حلاوته الفولية، حدثني عن الست فاطنة (فاطمة) و عن ست و أربعين سنة مرت على زواجهما. حدثني عن عمله كسائق لوري شارك في بناء السدّ العالي. أخبرني عن تلك الفترة التي كان يحلم فيها أن يصل راتبه لعشرة جنيهات شهرياً، و عن تلك المكافأة التي اشترى بها "شبكة" للست فاطمة بعد أعوام من زواجهما. مئة و إثنان و أربعون جراماً من الذهب اشتراها بستة و تسعين جنيهاً للست فاطمة. لازلت أذكر ابتسامته و هو يدعو الله ألا تموت قبله و ألا يموت قبلها: "ربنا يدينا ساعة رضا نفارق فيها الدنيا مع بعض". أسأله عن ذلك الوشم الموجود على إصبعه الأوسط فيخبرني عن الغجرية التي عالجت تلك الإصابة التي تعرض لها في فترة خدمته العسكرية و التي منعته لسنوات من فرد ذلك الإصبع. يحكي عن الغجرية و دقها على عروقه في أماكن معينة لأرى إصبعه مفروداً أمامي لا ينقصه شئ، فاتعجب من إمكانية الشفاء بالنزف. غادرتُ القطار و أنا أحمل بقلبي عم حمزة و الست فاطمة و أولادهم الأربع و ذلك الدفء الذي دعا به الله أن يفارقا الدنيا معاً... في ساعة رضا.

عن حَمَام وسط البلد

لم يخطر ببالي قط أني سأرى يوماً حَمَام يسير على قدميه في شارع مصري. الحمام في مصر يعرف أنه يؤكل، فلا يسير قط بجوار الناس( كما يحدث في الدول التي لا يأكل أهلها الحمام) دائماً يطير... هارباً. و لكني رأيته يسير مطمئناً في شوارع وسط البلد... الخالية.

حسناً، سأصف لكِ الطريق. لتجدي الحمام الرائق يجب أن تذهبي لوسط البلد في نزهة صباحية ( روحي بكّير) تبدأ من الخامسة صباحا و حتى السابعة، برفقة رجل تحبينه. تعلقي بذراعه و اعلمي أن تلك اللحظات ستشبه ركوبك القطار السريع بمدينة الألعاب. في لحظة أنتِ تشاهدين مدينة الألعاب من أعلى، بل و ربما تستطيعين أن تمدي يدك لتأخذي قطعة غزل بنات من سحابة قريبة، ثم ينزل القطار بسرعة مفاجئة لتجدي قلبك يضرب بعنف كل مشاعر الخوف و القلق و العتمة بداخلك، يطردها جميعها دفعة واحدة فلا تسمعي سوى صوت ضحكاتك مجلجلة عالية، تملأ شوارع وسط البلد و تشعر الحَمَام بالأمان. قابلتُ حَمَامة لها طوق أبيض حول رقبتها في شارع محمد محمود، و أنا أحمل لعبتي التي "كسبتها" من ماكدونالدز "في الهابي ميل" التي اشتراها لي ابراهيم. في السادسة صباحاً، استمعت لحديث زوج من الحمام أسفل نادي الدبلوماسيين في شارع طلعت حرب، عند الإشارة. آه، لا تنسي أن تبتسمي للوجوه البيضاء المنحوتة أعلى ذلك المبنى الأبيض. هي تنظر لأسفل، تشاهد المارة كل يوم يهرولون في كل الاتجاهات دون الالتفات إليها. تلك الوجوه رأت كل ما حدث في شوارع وسط البلد و شاهدناه على الشاشات. تلك الوجوه البيضاء لازالت تبتسم. و سوف تراكي و ترى حبيبك و الحَمَام... وستبتسم.

عن دنيا

تلك الفتاة النحيلة ابنة السبعة أعوام التي تبيع المناديل الورقية بخان الخليلي. تأتيني و تجلس بجواري على طاولتي بقهوة الفيشاوي و أنا أصنع الحلي. أذهب لحارة الصالحية كلما احتجت لبعض البهجة أو كلما شعرت بفائض منها.. لا أعرف بعد إن كانت صناعة الحلي هي سبب في بهجتي، أم تعبيراً عنها... ربما كلاهما معا. أحمل عدتي و الفضة و الأحجار و أجلس لساعات أصنع الحلي بقهوة الفيشاوي. تأتيني دنيا و تطلب مني أن أصنع لها "غويشة". تمد يدها لأعرف مقاسها. تبتهج للون حبات كريستال خضراء في يدها الصغيرة. تنظر لي بعينين لا تعبئان بملابسها المهلهلة و لا طفولتها المهدرة، تشكل أصابع يديها على شكل حرف O كبير و تطلب مني أن أصنع لها "غويشة كبيييييييرة عشان ألبسها ف رجلي".

عن أول فستان تُل... بجناحين

كان عمري خمسة أعوام و كان يوم الاحتفال بعيد الطفولة. بعد الانتهاء من الحفل بقصر ثقافة سوهاج أتي أبي لاصطحابي للبيت. في طريق عودتنا أخبرني أنه سيأخذني لبيت جدتي "عشان أفرجها ع الفستان". تجمعني بأبي ذكريات لا حصر لها و لكني كلما زادت العتمة بداخلي أجلس معي و ألعب تلك اللعبة "افتكري عشر حاجات حلوة"، تكون أولها دائما تلك المسافة التي قطعتها راقصة بجوار أبي و أنا أدور وأرفرف بجناحين من التُل البمبي مثبتين في فستان من نفس القماش أهدته لي "ميس فاتن" مدرسة الموسيقى التي لم تنجب قط، و كنا جميعا بناتها. رحلت جدتي، و رحل أبي، و رحلت ميس فاتن... و سألحق بهم، لكن إلى أن يأتي ذلك اليوم سأظل أبتسم كلما تذكرت تلك الفتاة "الشعنونة اللي عملت فيها فراشة بمبي" في يوم من الأيام.

عن قطعةٌ صغيرة ، أخيرة (لـ حبيبتي 

"قطعةٌ في القلبِ تعرفُ طعمَ الفرحةِ . قطعةٌ صغيرة ، أخيرة . أنشغلُ منذ فترةٍ بمراقبتِها و بمحاولاتِ الحفاظِ عليها كي لا أفقدَها فأعيشُ بقلبٍ مثقوب ! . أبحثُ في ذاكرتي الضعيفةِ عن أشياءٍ مؤجلةٍ و بسيطة ، مثل أن أشتريَ زهرةً بيضاء لأجلِ صديقتِي الهادئة جداً كي تُشفَى من لونٍ باهتٍ يرافقُ ملامحَها منذُ فترةٍ ، وكي لا يُصيبُها الحزنُ مرةً أخُرى . مثلَ أن أشتريَ لأجلي سجادةَ صلاةٍ جديدة و لوناً أخضر يؤنسُ - في الغيابِ - حافةَ شرفتي ، و كوفيةً زرقاء تحبُ الدفءَ و تستطيعُ مواجهةَ الحنين . أدوّنُ كُلّ هذا و أختبرُ طعمَ الفرحةِ بقلبي ، أطمئن ، فأعِيدُ ترتيبَ أجزاءَ قلبي بما يناسِبُ من جديد ، و أفتحُ في ذاكرتي نافذةً تسمحُ بمرورٍ حرٍ للوقتِ بينَ الأمسِ و الأمسِ ، بينَ الأمسِ و الغد . حتّى إذا ما ضَلَلتُ اهتدَيت ، و إذا ما نسيتُ ذكرت . فلا أفقدُ قطعةً أخيرةً تعرفُ طعمَ الفرحِ و لا أعيشُ بقلبٍ مثقوب."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق